02 أكتوبر
الكاتبة الشعثاء سلطان لها كتابات متميزة في النقد السينمائي، تأتي اليوم بمقال رائع يفكك إعلان تجاري بطريقة فنية تغوص في [...]

الكاتبة الشعثاء سلطان لها كتابات متميزة في النقد السينمائي، تأتي اليوم بمقال رائع يفكك إعلان تجاري بطريقة فنية تغوص في مكنونات العمل الفنية والسريالية ثم تتجه بنا نحو الفكرة الكبيرة وهي الغرض التجاري.. مقال عميق في البحث وممتع في القراءة… نترككم معه:

 إحدى مهام الفن هي إبهار المتلقي وجعله يشعر بالدهشة جراء النظر إلى العمل – سواء كان العمل جميلاً أم قبيحاً، وذلك حسب معاييرنا الذاتية جداً. فن الإعلان هو فن من نوع آخر، إذ أن مهمته التسويق للعمل، أي وجود هدف تجاري وربحي في النهاية، مما حدا ببعض الفنانين إلى الوصول إلى درجة عالية ومبهرة من الإبداع.

أحد أهم المبدعين في هذا المجال هو ليو برنت، الذي اختير من قبل مجلة التايم الأمريكية من ضمن أهم 100 شخص مؤثر حول العالم للقرن العشرين. وله شركة إعلانات باسمه لها 104 مكتب حول العالم، وهي الشركة الإعلانية التي أخرجت بعض الأيقونات الإعلانية الشهيرة في العالم، مثل طوني النمر، الوجه الإعلاني لرقائق الذرة المكسوة بالسكر لشركة “كلوقز”، ورجل “مارلبورو”، الصورة الإعلانية الشهيرة لعلب السجائر. يقول ليو برنت: “الإعلان الجيد لا ينشر المعلومات فحسب، بل يتسلل إلى عقلية العامة بالرغبات والمعتقدات” – وهذا هو ما فعلته إحدى إعلانات شركة ليو برنت بي وبفكري.

الصورة السابقة هي جزء من حملة إعلانية اتخذت السريالية فكرة رئيسية لها، لشركة استثمارات برازيلية “AE Investimentos”، ومن عمل شركة ليو برنت، مكتب ساو باولو في البرازيل. الصورة بعنوان “غريب”، ومن عمل المصمم والرسام البرازيلي تياغو هويسل.

يقول الشعار الإعلاني في الصورة: “لا تضيع في عالم الإستثمار الغريب”

لو سألنا، ما هي معايير نجاح الحملات الإعلانية؟ لقلتُ برأيي هو الوقوف وتأمل العمل الإعلاني، لأنه استطاع أن يشد ويجذب المتلقي نحو قراءة العمل. حين رأيتُ هذه الصورة قبل عدة أيام ظللت أتأملها لحوالي 5 دقائق – 5 دقائق من وقتي في تأمل صورة إعلانية، إذاً لا بد أن الحملة نجحت.

التأثير السريالي للصورة مبهر، إذ أنها تشبه في عناصرها لوحة الفنان الإسباني الشهير سلفادور دالي “فتنة القديس آنطوني” التي تصور القديس وهو يحمل الصليب بيده في محاولة منه لمقاومة حشد من الفيلة طويلة الأرجل تحمل على ظهورها مباني وتماثيل مختلفة. يقولون أن الصورة عن ألف كلمة، والمبهر في هذه الصورة هو كثرة المعاني التي تحويها والتأويلات التي تتضمنها. قد يفهمها كل شخص بشكل مختلف عن الآخر، لذا سأسرد فهمي الشخصي حولها.

كنظرة عامة، يتقدم الصورة رجل معصوب العينين يحمل ميزان كفتي العدالة، ويقود حشد من المخلوقات – إن أمكن تسميتهم كذلك – بسلاسل حديدية، وهو بنفسه يحمل في رجله اليسرى سلسلة حديدية في نهايتها الكرة الأرضية. أول مخلوق في الطابور هو رجل عجوز أحدب الظهر يلبس قبعة بتصميم العلم الأمريكي، ويبرز من بطنه خزانة مال، وأنفه عبارة عن جذع شجر أوراقها أوراق نقدية خضراء ( وفي الانف الخشبي الطويلة دلالة على الكذب، وهي استعارة من القصة العالمية للرجل الخشبي الذي يطول أنفه كلما كذب)، والمثير أن أسامة بن لادن يركب ظهر هذا الرجل. المخلوق الثاني بعد هذا العجوز الأمريكي هو ما يشبه حصالة نقود متهالكة على هيئة خنزير على ظهره علم الصين، ويحمل خزانة نقود عليها تمثال بوذا متعددة الأيدي ترمي العملات النقدية. يأتي بعد ذلك جمل بسنامين يحمل ما يبدو أنه مصنع نفطي (والمثير أن الجمال ذات السنامين تعيش في منطقة آسيا الوسطى)! أما بالنسبة للعناصر الأخرى المختلفة في الصورة فهي كما يلي: وجوه منحوتة على صخرة (يشبه النصب التذكاري في جبل راشمور لأوجه رؤساء الولايات المتحدة الأربعة)، يتوسطها مصنع يخرج منها دخان كثيف، وتنين الصين الأسطوري، وساعة بيج بن بنصف مدفون في الأرض، ومؤشر بياني لارتفاع شيء ما غير معروف (ربما أسعار الذهب لوجود ما يشبه الصكوك الذهبية).

إذاً ماذا تقول الرسمة؟ أن رجل العدالة معصوب العينين يقود أقوى قوتين اقتصاديتين في العالم (أمريكا والصين) وخلفهما الدول النفطية؟ أن الديانات (الإسلام والبوذية متمثلتين عبر تمثال بوذا وأسامة بن لادن) هي الأخرى تتأثر بالقوى الاقتصادية ومقيدة خلف رجل معصوب العينين لا يدري أين يذهب؟ المثير أن معظم التماثيل العالمية الشهيرة التي تصور العدالة هي تماثيل لنساء العدالة، التي ترجع أصولها إلى الإلهة اليونانية “تيميس”، وعصبة العين هي دلالة على موضوعية القانون التي لا تتأثر بالمال أو السلطة. تشعرك الصورة بالضياع في مثل هذا العالم المجنون، وربما هذا هو هدفها الرئيسي، لأن القصد أن شركة الاستثمارات المعلن عنها لن تشعرك بالضياع. هل يوجد هدف معين من إحلال الرجل محل المرأة؟ وعصبة العين هل هي فعلاً تدل على الموضوعية أم على الضياع؟ ولماذا يبكي التمثال المنحوت شلالات من الدمع؟ ولم الأرض قاحلة والسماء ملبدة بغيوم رمادية؟ لا نعلم ذلك حقاً، ولكن يكفي ما حفزته الصورة من أفكار مختلفة، ورغبة عارمة في الذهاب والبحث عن شركة الاستثمارات هذه، وأظن هذا كافياً لإنجاح الحملات الإعلانية.

الكاتبة الشعثاء سلطان

5 Comments

  • مقال جميل بكل ما تحمل كلمة الجمال من معاني مختلفة.. ففي هذه اللوحة نوع من الجمال المحير و الذي قد يكون منفرا و جذابا في نفس الوقت.. ليت المقال كان أطول و يتضمن مقارنة كاملة بلوحة دالي و لكن هذه رغبة طامع يعلم بقيد عدد الكلمات و الأحرف المحدودة التي تعصم المبدعين من مشاطرة رحلة الإبحار الخيالية برفقة قرائهم.. سلم قلمك..

    علّق
    • نشرت باسم admirer
    • 2 أكتوبر, 2012 at 5:39 م
    • عميق تقديري لإعجابكم بالمقال.. دهشتي عند مشاهدة اللوحة لأول مرة هو ما استفزني لأكتب عنها هذا المقال، الذي أعلم تماماً أنه قصير مقارنة بحجم المعاني الموجودة في اللوحة الإعلانية.. جزيل الشكر لكم

      علّق
  • نبتة طيبة وبارك الله فيك

    علّق
    • نشرت باسم سلطان الشرجي
    • 2 أكتوبر, 2012 at 6:10 م
  • اشكرك عزيزتي الشعثاء على هذا المقال الطيب،، حقيقة فإن الصورة بالفعل تسترعي الانتباه ،، وهي تبدو معقدة من أول وهلة لكن مع مزيدا من التركيز تتضح مفاهيم سياسية واقتصادية ودينية متشابكة،، واضافة الى حديثك عزيزتي ،، فقد لفت انتباهي ذلك السهم البعيد أمام العمودين الذين يمثلان برجان لشيء اقتصادي لا أدري لما تم رسمه بعيدا هكذا ،،ناهيك عن تصوير الرسام للدول الفقيرة في العالم فقد رسم انسان يمد يده لالتقاف نقود او ماشابه ،، رسمها تحت الرجل العجوز=امريكا وتحت حصالة الخنزير=الصين ،، يبدو ان منتجات الصين التي تهيمن على اسواق الخليج وبقاع العرب تم تجسيدها بتنين الصين ،،،

    علّق
    • نشرت باسم أسماء البلوشي
    • 17 فبراير, 2013 at 9:45 م

اترك تعليقا