08 ديسمبر
لست من المحرضين على الخصوصية العمانية بالمطلق، لأنها مع الممارسات السلبية تتحول إلى شوفينية مريضة، وهي تعني المغالاة في حب [...]

لست من المحرضين على الخصوصية العمانية بالمطلق، لأنها مع الممارسات السلبية تتحول إلى شوفينية مريضة، وهي تعني المغالاة في حب الوطن إلى درجة التعامي عن الأخطاء فيه واحتقار الشعوب والقوميات الأخرى. ولكن ذلك لا ينفي أبدا ضرورة المحافظة على الهوية الوطنية وإبرازها كأعلى صفات المواطنة. لأن تلك الهوية هي التي تبرز أهم ملامح أي أمة.

وتتغلغل ملامح الهوية في مختلف تفاصيل الدولة السياحية والاقتصادية والتعليمية والأدبية وكل مجالات الحياة لتبرز من خلال اللغة والشكل والتصميم. وإن كانت قيم الهوية مرتبطة بالأمم والشعوب فهي تندرج كذلك على المؤسسات والشركات

حين ترغب المؤسسة أو الشركة في توجيه رسالتها فإنها تركز على أن تحمل هذه الرسالة جزء من هويتها. وأحيانا كثيرة تشترك المؤسسة مع المحيط من حولها في صنع الهوية. فهناك علامات تجارية أصبحت تشارك في صنع هويت بلد المنشأ. فأنت حين تقول سويسرا فأول ما يأتي في ذهنك رولكس، وأوميجا، وفاشيرون، وسيكو، وستيزن، وجوتشى، ورادو. وحين تقول ألمانيا فستتذكر حتما مرسيدس بينز والبي أم دبل يو.

وعند صناعة هذه الهوية يكون التصميم عنصرا أساسيا في تجسيد معاني الهوية أو العلامة التجارية. لأن نقل هوية المؤسسة يحتاج من مدير العلامة التجارية الوقوف في كل مكان وفي كل مناسبة وعند كل عرض للحديث عنها، وهذا الحل غير عملي بتاتا، لذلك يستلزم الأمر وجود تصميم إبداعي يتحدث عن هذه الهوية.

وللإقتراب أكثر من علم التصميم فإن جاسيكا هيلفاند تعرف التصميم بأنه لغة بصرية توازن بين الأشكال والألوان والإضاءة في الشكل والمضمون. ولكنه أيضا لغة إصطلاحية تستخدم الاشارات والتورية والرموز والتلميحات لمفاهيم ثقافية واستدلالات حسية بتناسق بين العين والخيال.

وفي الواقع التطبيقي فإن صناعة الهوية عمل مشترك بين العديد من الجهات، ولكن البروز الأكثر يكون لمدير الهوية التجارية ورئيس قسم التصميم الإبداعي، للخروج بتصميم مشحون بالهوية. ويكون التصميم الفني موفقا حين يختصر العلامة التجارية ولعل شعار المؤسسة هو أحد أهم انتاجات الهوية.

وكأحد الأمثلة فإن بنك الكومنولث أف أستراليا قرر في عام 1991 تغيير هويته التجارية بعد ثلاثين سنة من الهوية القديمة. وقد بدل شعاره القديم الذي كان يضم ثلاثة حلقات سوداء تتوسطها خارطة استراليا إلى معين أصفر به حافة سوداء. ولكن المشكلة أن معظم جمهور العملاء لم يفهموا هذا الشعار الجديد، وأن التغيير في الهوية لم يصحبة أي تعديل في المنتجات أو خدمة الزبائن، مما جعل العملاء يحسون بأن البنك قد أهدر أموالهم. كما قام البنك بتدشين حملة إعلانية كبيرة جدا في حجم مصروفاتها ولكنها لم تلقى أي نجاح لدى الجمهور. والظاهر أنها نفس المشكلة التي تطرح دائما، بأن شركات صنع الهوية التجارية تقترح على عملائها من المؤسسات والبنوك علامات تجارية بتصاميم معينة ويوافق عليها البنك أو الشركة دون استفتاء الجمهور في تلك التصاميم.

والواضح أن الجمهور سيكون أقرب من علامات تجارية وتصاميم إبداعية تقترب من مكوناته الحضارية والإجتماعية. وكما بدأنا المقال فإننا لا نغالي إن ركزنا على الهوية العمانية كأحد أهم ركائز التطور الحضاري والاقتصادي. والتراث العماني زاخر بالكثير من العناصر التي لم توظف حتى الآن تجاريا. مع أن توظيفها تجاريا لا يفقدها دلالاتها الحضارية.

يعجبني تصميم الهوية التسويقية للسلطنة بألوانه الجميلة والحية، فلكل حرف من هذه الحروف تفسير منطقي. ولكن هناك الكثير من المؤسسات التي تحاول أن تجد تفسيرا لشعاراتها ولكنها لا توفق في ذلك. إحدى المؤسسات العمانية المعنية بالتطوير العقاري اتخذت من أشكال هندسية شعارا لها وقالت أنها تعبر عن الهوية والخصوصية العمانية. ووضعت تفسيرا “مأطر” لكل شكل هندسي، وتم سحب الأشكال من زواياها ومنحنياتها لتوافق الهوية العمانية غصبا عنها. كنت أستمع لهذا الكلام بجانب صديق من المملكة الأردنية، وقال لي لدينا مربعات ومثلثات ودوائر في الأردن، فما هي الخصوصية العمانية في أشكال عالمية تستخدمها كل شعوب الأرض؟

“أسقط في يدي، وغدوت كالمتبلدِ” لم أجد ردا على صديقي، ولا أعتقد أن التفسير الذي استمعت إليه من تلك المؤسسة لمرات كان مقنعا. فمن قال أن المثلث يعبر عن الثبات؟ ربما حسب تعريف الكاتب محمد الرطيان حين يقول: المثلث هو مربع رفض أن يصبح دائرة.

ملاحظة: الصورة رقم 1 للمصور يعقوب الصبحي

 

اترك تعليقا