16 أكتوبر
حوار: حشر المنذري تحرير: بدر العبري مراجعة: عصام حمود تصوير: عبدالرحمن النعيمي   حوار في مسقط صراع خفي أحيانا وظاهر [...]

حوار: حشر المنذري

تحرير: بدر العبري

مراجعة: عصام حمود

تصوير: عبدالرحمن النعيمي

 

حوار في مسقط

IMG-20141011-WA0160

صراع خفي أحيانا وظاهر للعيان في أحيان أخرى بين أصحاب الحرفة والأكاديميين في مختلف المجالات، وإن اجتمعت في الإثنين تكون التجربة إبداعية. هذا ما تثبته تجربة إحسان حموري الذي وضع لنفسه بصمة خاصة في عالم التصميم العربي والإنتاج الفني فعرف بها. يمشي بعين مفتوحة يلتقط تفاصيل التصميم والفن فيصوغها في إنتاجه الثري.

وفي زيارته لمسقط لم يفوت فريق العلامة الفرصة لفتح حوار مع إحسان، ولا ننسى أبدا تقديم الشكر إلى الأستاذ علي الكاسبي، الرئيس التنفيذي لوكالة ريبابلك، الذي قام بترتيب اللقاء وأثراه أيضا. وبدل أن يمضى الحوار إلى إجابات منمقة، كان شفافًا جدًا، فيه خليط من التجارب والقصص والأمثلة والفلسفة أيضا.

 

الخط منذ الصبا

272785_10150653463510487_5396292_o

أبصر إحسان النور عام 1973 في مدينة الزرقاء بالمملكة الأردنية الهاشمية، ولد في أسرة فنية، فأبوه رسام وخطاط محترف. سار إحسان على نهج أبيه، فتعلم الخط العربي في سن مبكرة،واستمر معه الشغف حتى كلله ببكالريوس في التصميم الجرافيكي من جامعة اليرموك، أتبعها بماجستير في التصميم الجرافيكي أيضا من جامعة الفنون بسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية.

 

نظريات الجمال

unnamed (6)

بدأ الحوار بسؤال مفتوح: هل الفن تجربة أم دراسة، ولكن حموري كان مركزًا في اجابته فقال: الفن هو تجربة أكثر منه دراسة، ولكن بطبيعة الحال الدراسة تقوم بصقل التجربة. ولو سألنا سؤالا أكثر عمقا ما هي النظريات التي تخبرك بما هو جميل وما هو غير ذلك؟ فالجواب في مثال الزبائن الذين يظلون متمسكين بأفكارهم حتى يشاهدوا نتيجتها على أرض الواقع فيغيروا وجهة نظرهم، وما سوف يشاهدونه ويفضلون بعضه على بعض ليس نظريات التصميم والجمال، وإنما التجربة التي انتجت لهم المنتج النهائي كتصميم يحبونه دون غيره.

وأضاف أن الدراسة الأكاديمية للتصميم قد تتضمن نظريات وتجارب علمية ملموسة مثل التأثير النفسي لبعض التصاميم على بعض الفئات كالأطفال والنساء والشباب وقد تصل دقتها إلى نسب عالية جدا ولكنها في النهاية لن تخبرك بدقة أي التصاميم أكثر جمالاً أو نجاحاً من الأخريات.

 

الفنان أم المصمم؟

unnamed (2)

وعن الفرق بين الفنان والمصمم، أوضح إحسان أن الفنان يُعبر عن مشاعره وحده، مكرسا الكثير من الذاتية في ذلك العمل الفني، وفي أحيان كثيرة قد يأتي زبون ويقتني لوحة الفنان من معرضه لا لأنه فهم مشاعر الفنان ولكن لأن ألوانها على سبيل المثال تُناسب جدار منزله. في حين أن المصمم إن لم يستطع إقناع الناس فقد فشل في مهمته. فعلى المصمم الإبداعي أن يخلق تصميم فيه القدرة على الوصول للناس وإقناعهم باقتناء المنتج.

وأضاف أن الذي يجعل التصميم ينجح هو الإلمام بعدة نواحي أهمها الناحية السايكولوجية، فعليّه أن يعرف الفئة المستهدفة: هل هي النساء مثلاً؟ أم الأطفال؟ أم الشباب؟ في التصميم فهم الفئة المستهدفة أمر ضروري للغاية في حين أنه في الأعمال الفنية ينطلق الفنان ليعبر عن ذاته ومكنوناتها في كثير من الأحيان بعيدا عن توجهات الجمهور ورغباته.

 

صناعة الهوية

unnamed (12)

وعن التطور الذي حصل من صناعة شعار إلى صناعة هوية متكاملة، قال حموري أن التطور شيء طبيعي “كل شيء يتطور بما في ذلك نظرتنا من خلال عيوننا المجردة”، وأن الهويات والعلامات التجارية التي كانت في بداية القرن الماضي، لم تعد هي نفسها الآن فقد نمت وتطورت. والتطور يأتي خطوة خطوة، فلا يمكن أن تقدم هوية من نمط هويات 2014م في السبعينات، لأنها ستكون شاذة فهي لم تمر بتغييرات الثمانينات والتسعينات التي مرت بها المجتمعات الإنسانية.

 

قيادة التغيير في التصميم

unnamed (13)

وفي سؤال لحموري عن من يقود التغيير في قطاع التصميم؟ المصممين أم العملاء؟ يعتقد إحسان أن المصممين هم من يقودونه، وأن وجود خيارات مختلفة لكل تصميم يُفاضل العميل بينها قد يساعد على التطور، موضحاً أن  الناس جزء من عملية التطوير ولكنهم لا يقودونها. وأضاف إحسان أن الفرق بين الإنسان العادي الغير مختص والمصمم،هوأن عين المصمم نقدية وتمتلك دقة ملاحظة عالية جداً، فيما أنه يمكن تشبيه الإنسان العادي كالشخص العربي الذي يذهب لأمريكا وهو لا يجيد اللغة الإنجليزية فيكون غريباً في تلك الدولةفلا يستوعب ما يجري حوله حتى يتعلم لغتهم. ضارباً المثال كذلك بخطوط الكتابة التي تمثل لعموم الناس”مجرد خط” قد لا يفرق كثيرا عن الآخر، ولكن المصمم يرى الخط فيحلل نوع الخط وحجمه وزواياه وميلانه وملائمته للمطبوعة وأشياء كثيرة قد لا ينتبه لها عموم الناس.

 

شروط الهوية

l1

قام حموري بإنتاج عدد كبير من الهويات التسويقية، والتي يكون محورها بشكل أساسي الشعارات التي لإحسان فيها بصمته الخاصة، وحموري يُقيّم الشعار الناجح بعدة خصائص منها: بساطته، تواصله مع الناس، عكسه للمنتج. وكذلك يرى مستقبل التصميم في التقنيات الحديثة التي ستتيح وضع الإعلانات المتحركة في العلب والأوراق، كما أنه يحب الفن الجرافيتي الذي يعلمنا عدم الوثوق بالكمبيوتر فيما يخص الحسّ الفني.

 

تهمة باطلة

l6

وحول ما يُقال أن المصممين حولوا الفن إلى شكل من أشكال التجارة، قال إحسان أن المصممين أقاموا جسور التواصل بين الناس والفنون، فحتى تُباع السلعة يجب أن يكون هناك تفاعل. وبينما الفنان مهتم بمشاعره فقط؛ فإن المصمم مهتم بمشاعر الناس، مضيفاً أن هذا لا يمكن أن يُعّد استخداماً مادياً محضاً للفن. كما أن الفنان في الغالب يكون منعزلاً ومنطوياً على نفسه على عكس المصمم الذي يكون أكثرا تواصلا مع الناس.

unnamed (15)

وقال إحسان أنه يجب على المصمم أن يتمتع بخلفية فنية حتى يصبح مصمما محترفا. موضحاً أنه كان فناناً مستقلا هو بنفسه في بداياته ولكن لم يكن لديه الشغف بالاستمرار وانتقل ليحترف التصميم.

 

مفارقات فنية

unnamed (16)

وتعد خطوط الكتابة أحد جوانب التصميم المهمة، وعرف احسان باهتمامه بهذا الجانب ونبوغه فيه. بدايةً أوضح الفرق بين الكاليغرافي الذي يعني “فنّ الكتابة” والتايبوغرافي وهو “تنضيد الكتابة”، وهو الذي بدء مع آلات الطباعة، وهذا الفرق الذي يمكن معرفته باللغة الإنجليزية وخطوطها وثقافتها، لا يُمكن اسقاطه على اللغة العربية التي يُعّبر فيها عن الاثنين بذات الكلمة “الخط”، مضيفاً أن التايبوغرافي هو ما يتيح لك عمل هوية من خلال الكتابة فقط، فيما الكاليغرافي هو الكتابة العادية.

وعن تجربته قال أنه خطاط ويستطيع الكتابة بمختلف أنواع الخط العربي كالعديد من أفراد عائلته الذين يمتلكون هذه الموهبة، وحدثنا كذلك عن هوسه بالدقة والملاحظة العالية التي كان يظنها حالة مرضية قبل أن يكتشف مؤخراً أنه لا بد أن تكون كذلك كيّ تنصف بأنك مصمم محترف.

 

إنسان فونت

unnamed (4)

واعتبر إحسان عدم الاهتمام بحقوق الملكية الفكرية في العالم العربي هو أحد أهم أسباب عدم تطوير الخطوط العربية،  قائلاً أن “من يطوّر خطاً عربياً سيصبح فقيراً؛ لأن الجميع سيتمكنونمن سرقته وهو ما حصل مع الخط الذي طوره “إنسان فونت” “. وعدم وجود حماية فكرية لإنتاج الخطوط العربية هو ما أدى بإحسان لترك مجال صناعة الخطوط حيث أن الدخل متواضع جدا مقارنةً بالجهد الذي يبذله المصمم!

وعن حكايته مع “إنسان فونت” قال أن الدافع كان رغبته في الربط بين الخطوط العربية والإنجليزية، لعدم وجود تجانس بينهما في التصاميم التي تحتوي على اللغتين العربية والإنجليزية، ولذلك قرر تطوير خط يحل هذه الإشكالية. وشرح لنا كيف عكف على تصميم ٩٠٠ شكل باليد ومن ثم تصميمها  بالإيليستريتر وأخيراً برمجتها بمجهود فردي مُتعب دفعه بعدها – كما أخبرنا ضاحكاً- للعلاج بالإبر الصينية لمدة آسبوع كامل بسبب آلام الظهر.

l5

ومن الذكريات التي شاركنا إياها حموري هو طلبه لكتاب يشرح كيفية استخدام برنامج “فونت لاب” الذي يُبرمج من خلاله الخطوط وكيف أنه صُعق من حجمه البالغ ألفيّ صفحة تقريباً فتخلى عن فكرة استخدامه وقام بتعلم البرنامج لوحده. وأما عن أهم ما أضافته له التجربة فكانت “دقة الملاحظة” هي جوابه.

 

شوارع سان فرانسيسكو

l3

وعن دراسته الأكاديمية في أمريكا قال لنا حموري أنه حصل على شهادة بكالريوس في التصميم الجرافيكي من جامعة اليرموك وكان الأول على دفعته في نهاية التسعينيات، وهو ما أهّله  للحصول على منحة في جامعة سان فرانسيسكو للفنون لمتابعة دراسته، وبالرغم من اهتمامه السابق بالخطوط إلا أن دراسته للتايبوغرافي في الجامعة هي “القشة التي قصمت ظهر البعير” بحسب تعبيره  حيث وجد نفسه شغوفاً بهذا الفن مما دفعه  لدراسة مساقات ومواد مختلفة فيه على أيدي من وصفهم بـ”علّامات في التايبوغرافي” وخصوصاً مع الدعم الذي وجده من جامعة اليرموك. وأما بعد عودته للأردن فقد أدرك حموري مدى ضعف الوضع الأكاديمي في هذا المجال حيث كان يقوم بتعليم  هذه المواد في العادة “خطّاط” بدلاً من شخص مختص في التايبوغرافي!

وعندما سأله فريق “العلامة” عن الذي أضافته له أمريكا أجاب “واو.. هناك حتى الشوارع أضافت لي” ففيها تجد الإلهام في كل مكان، أما الدراسة  الجامعية فقد أضافت لي الثقة في النفس.

 

صناعة المصمم

l4

وواصل حموري حديثه قائلاً أنه بعدما رجع من أمريكا بما يقارب السنة بدأ عمله التجاري بدافع الشغف وسعياً وراء مدخول مالي أفضل، قائلاً أنه في ذات الوقت كان يتحدى العمداء الذين مروا على الجامعة بأنه مهما كانت مستويات الطلبة متدنية في التصميم فيمكنه أن يجعل منهم مصممين ناجحين وقد نجح في ذلك، موضحاً بأن عمله في الجانب التجاري ساعده في معرفة الفرق بين العمل الأكاديمي والعمل التجاري، والذي وصفه بأنه  كـ” الفرق بين السماء والأرض”، وبالتالي فقد استفاد طلابه كذلك معه؛ حيث كان مصراً على تهيئتهم على كل تفاصيل جو العمل ولذلك فلم ينصدموا بالعمل في الواقع بعد تخرجهم.

وواصل أن العمل في الجانب التجاري ساعده كذلك من ناحية التجربة والتطوير في تصاميمه، قائلاً أن إحدى الفروق بين الحياة الأكاديمية والعملية أنه في الأولى كمُدرّس لا يناقشك أحد، فيما أنه في الثانية فستُواجه الاعتراضات بشكل دائم وعليك تطوير نفسك. كذلك فإن العمل بهذه الطريقة يُعلّم الواحد كيفية التواصل مع الناس.

 

نقل ثقافة التصميم

unnamed (8)

كان للعلامة سؤال حول وجود مشكلة بين المصممين والعملاء بسبب استخدامهم لغتين مختلفتين فكان جواب حموري بأنه دائماً ما يقول “علّم العميل ثم ناقشه”، وأوضح أنه في السابق كان يتكلم بطريقة أكاديمية بحتة حتى تعلم تبسيط لغة التخاطب معالعملاء، وفي الحقيقة لا يستطيع تبسيط أي علم إلا من يتعمق فيه ويتقنه. وأضاف مبتسماً أنه خلفيته الأكاديمية تجعل العملاء يثقون به وبخياراته كونها ليست مجرد ذوق فحسب بل مبنية على معرفة علمية منحته إياها درجته الأكاديمية.

وعندما انتقل الحوار لسبب غياب الثقافة المتعلقة بالهويات والشعارات، أحال حموري السبب للوضع الاقتصادي في المقام الأول حيث أن الناس لا تجد الوقت الكافي للقراءة في هذا المجال أو لحضور المعارض الفنية بل هي مشغولة بكسب لقمة العيش، وهذا ينطبق أحياناً حتى على الشركات الكبيرة.

unnamed (14)

وأضاف أن  المدرسة أحد أهم الأسباب التي لا تدعم ثقافة التصميم، وضرب مثالاً أنه  في المدارس الحكومية بالعاصمة الأردنية عمّان مثلاً، تُعتبر حصة الفن فرصة للتفسح والخروج من الصف بالنسبة للطلبة، بينما في المدارس الخاصة يتم تعليم الطلبة التصميم والهوية والشعارات بشكل جيد، مختتماً هذه النقطة بأن زرع هذه الثقافة تأتي من المدرسة كبداية.

وأما مقارنةً بأمريكا فأضاف حموري نقطة أخرى وهي أن متطلبات العميل الأمريكي مختلفة عن متطلبات العميل العربي الذي يطلب عملا سريعا وغير مكلف على عكس الأول، وبالطبع فإن هذا -حسب كلامه- عائد للوضع الاقتصادي كذلك.

 

أمنيات السفر

وأخيرا ختم حموري حواره بالحديث عن حبه للسفر وزيارة إيطاليا واليونان وألمانيا.

 

ملاحظة: كل الأعمال الفنية والتصاميم في هذا الموضوع هي من إنتاج الفنان إحسان حموري ويرجع له في حال الرغبة في تضمينها لأي محتوى آخر أو استخدامها بأي شكل من الأشكال.

اترك تعليقا